«أفكر في إنهاء الأمور» يتخبط بين الكآبة والغموض

شاهدنا، منذ أسبوعين، ما وصفناه بأنه الفيلم الأكثر جنوناً وجرأة للكاتب والمخرج كريستوفر نولان ولجماهير السينما، وهو «تينيت». كان فيلماً يسير باتجاهين متعاكسين في الوقت نفسه، وبطله بلا اسم، يسمى «شخصية رئيسة»، وكلما ظننت أنك فهمت جزءاً ولو يسيراً من القصة تتعقد عليك الأمور حتى يستسلم عقلك.

اليوم لدينا I’m Thinking of Ending Things، «أفكر في إنهاء الأمور»، من إنتاجات «نتفليكس» الأصلية للكاتب والمخرج الأميركي، تشارلي كوفمان، والمقتبس من رواية بالعنوان نفسه للمؤلف أيان ريد، وهو أكثر أفلامه جنوناً حتى الآن، ومن شبه المستحيل فهم أي شيء فيه.

إذا كان «تينيت» بدأ بهجوم إرهابي على دار أوبرا في كييف، متبوع بمشهد رهيب لتحطم طائرة بعد اصطدامها بمستودع بمطار أوسلو، متبوع بمطاردة تحبس الأنفاس في شوارع العاصمة الأستونية تالين، ثم انعكس الفيلم وشاهدنا كل اللقطات معكوسة، فإن «أفكر في إنهاء الأمور» يبدأ بامرأة بلا اسم ترافق صديقها في رحلة بالسيارة إلى مزرعة والديه للتعرف إليهما وينتهي برحلة العودة، أي معكوساً.

المرأة بلا اسم (جيسي بكلي) طالبة فيزياء، تتأمل في إنهاء علاقتها بصديقها جيك (جيسي بليمونز) بعد مرور سبعة أسابيع فقط. وقبل أن تخبره يقترح عليها جيك أن يأخذها إلى مزرعة والديه، وأثناء الرحلة الغريبة يحاول جيك إلقاء قصيدة قرأها، عندما كان صغيراً، عن فتاة تدعى لوسي.

يرن هاتف المرأة بلا اسم، وعلى شاشة هاتفها اسم المتصلة لوسي! يكتشف جيك أن صديقته بلا اسم شاعرة، فيطلب منها إسماعه شيئاً من شعرها للتسلية أثناء الرحلة، تلقي الفتاة قصيدة مخيفة حتى يصلا إلى وجهتهما.

في مزرعة الوالدين نرى الأم (توني كوليت) والأب (ديفيد ثوليس)، وهنا يتحول الفيلم إلى Hereditary لكن من دون الرعب. يتكون الفيلم من مشاهد طويلة عدة جداً، أولها مشهد رحلة الذهاب، التي يتخللها حوار طويل لن يستسيغه الجميع، لأنه فلسفي نوعاً ما وتتخلله قصيدة.

ثم أجمل مشاهد الفيلم في جزء المنتصف، الذي تدور أحداثه في المزرعة، وتحدث فيه غرائب توحي بأن ما نشاهده فيلم رعب نفسي، ثم مشهد العودة من المزرعة ويتخلله حوار طويل جداً ليس مثيراً للاهتمام سوى لأولئك الذين يهتمون بالفلسفة والفن، ثم مجموعة مشاهد سيريالية لن يفهم أحد منها شيئاً ثم النهاية.

تقول المرأة بلا اسم في مشهد البداية: «أفكر في إنهاء الأمور.. عندما تصل هذه الفكرة إلى ذهني فهي تعلق في رأسي ولا تغادر»، تكرر الفتاة عبارة عنوان الفيلم بمجرد ركوبها سيارة صديقها، وهنا جيك يرد ويقول: هه! أي كأنه سمع العبارة، ونقول كيف سيكون الحوار لو أنه سمع العبارة؟ من المؤكد أنه سيكون أكثر تشويقاً من قصيدة طويلة لا تضيف إلى المشهد سوى كآبة قاتمة.

تستمر الفتاة بلا اسم في مخاطبة نفسها بصمت وهما في الطريق إلى مزرعة والديه: «ربما ليس من العدل بالنسبة لي أن أذهب مع جيك في هذه الرحلة، مقابلة والدَي شخص عادة هي المرحلة التي تصبح العلاقة بعدها جادة»، لكنها لم تخبر والديها بأنها تواعد الشاب المثقف الذي يحب الأفلام الموسيقية و مسرحية «أوكلاهوما!1943»، الذي فجأة يغير الموضوع من الفن إلى موسوليني!

مشهد الحوار الطويل جداً في السيارة، الذي يأتي مباشرة بعد المقدمة، مرشح ليكون أكثر مشهد حواري كئيب وغير شيق، كان من الممكن أن تكون المادة الحوارية شيقة لكن كوفمان في ما يبدو طلب من بطليه إلقاء الحوار مثل طلبة مصابين بالملل يقرأون حوارات قصة لمعلمهم حتى لا يحرمهم الدرجات.

هناك نغمة أحادية في صوت بكلي وطريقة إلقائها، وهناك مقاومة عنيدة من كوفمان ضد تصوير مناظر الطبيعة خارج السيارة. لقطات يحتاج إليها المشهد الحواري الطويل للتخفيف قليلاً من نبرته الكئيبة، خصوصاً أن الجو العام لهذه اللقطة يوحي بأن المرأة وجيك خارجان مباشرة من الجحيم. ولو أن كاتب هذا الموضوع كان جالساً على المقعد الخلفي لاختار النزول فوراً حتى والمركبة تتحرك، والمشي عكس الطريق للعودة إلى المدينة.

تبدأ الغرابة بمجرد دخول مشهد المزرعة، وهو الجزء الأفضل في الفيلم، ويبدأ الفيلم في التحول من الغموض إلى الغرابة الشديدة، وكأننا نشاهد حلقة من مسلسل الستينات الشهير The Twilight Zone.

الغرابة يمكن أن تثير فضول المشاهد، والغرابة محيرة في حد ذاتها. في النهاية هذا فيلم تشارلي كوفمان، وهذا الرجل عودنا على غرائبياته من Being John Malkovich عام 1999، إلى Adaptation في 2002، إلى Eternal Sunshine of the Spotless Mind في 2004، وكل فيلم من الأفلام المذكورة كتبه كوفمان وأخرجه سبايك جونز، باستثناء الأخير من إخراج مايكل غوندري.

ثم قرر كوفمان إخراج أفلامه، وكانت النتيجة Synecdoche New York عام 2008، وانقسم النقاد وقتها على الفيلم، منهم من رأى أنه أفضل فيلم في العقد الأول من الألفية ومنهم من قال إنه ممل ولا يحتمل.

ثم جاء Anomalisa سنة 2015 أيضاً من إخراج كوفمان، وهو فيلم أنيميشن، وكانت النتيجة أفضل من الفيلم السابق، وأخيراً «أفكر في إنهاء الأمور»، وهو ليس رائعاً كلياً كما أفلام كوفمان السابقة، ويترك المشاهدين في حالة حيرة شديدة. أجمل أفلام كوفمان كانت عندما التزم بالكتابة بعيداً عن الإخراج، وهذا الفيلم لا يثبت سوى أن الرجل لا يحسن الإخراج.

بعد المزرعة، تبدأ رحلة العودة في السيارة، وحوار آخر طويل يتخلله غناء، وهذه المرة المشهد مظلم بالكامل، لا نرى وجهَي البطلين أبداً إلا إذا تغيرت زاوية الكاميرا، ومن النادر أن يغيرها كوفمان، وجثمت كآبة شديدة على صدر كاتب هذه السطور الذي تمنى لو أنه اختار فيلما آخر!

آخر لقطات الفيلم مجموعة مشاهد سيريالية، وكوفمان قال في مقابلة إنه لا يريد تفسير شيء، لأن للمشاهد الحق في تفسير الفيلم بالطريقة التي تعجبه. المشكلة أنه لا سبيل لفهم الفيلم إلا لو أخذنا في الاعتبار أن كل ما نشاهده هو أفكار الفتاة الظلامية، وهي نظرية تسري على كل أفلام كوفمان السابقة.

سيتحيز البعض للفيلم لمجرد أن كوفمان صنعه، ونتفهم هذه النقطة، لكننا نقول إن الفيلم يستحق قطع 30 دقيقة منه، من لقطتَي الذهاب والإياب الكئيبتين، لأننا عندما نصل إلى نهاية الفيلم غير المفهومة نتساءل: هل استحقت الرحلة عناء مشاهدتها؟!

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.


الغرابة يمكن أن تثير فضول المشاهد، والغرابة محيرة في حد ذاتها، وفي النهاية هذا فيلم تشارلي كوفمان.

أجمل أفلام كوفمان كانت عندما التزم بالكتابة بعيداً عن الإخراج، وهذا الفيلم لا يثبت سوى أن الرجل لا يحسن الإخراج.

Google Newsstand تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news

Share
طباعة فيسبوك تويتر لينكدين Pin Interest Whats App

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق #النصف_الحلو.. 3 أكياس شاي لجمال متألق وبشرة نضرة
التالى أين تذهب.. «ملك الطاووق».. في واحة دبي للسيليكون