مستقبل الإنترنت يؤجج الخلاف بين موسكو وواشنطن

مستقبل الإنترنت يؤجج الخلاف بين موسكو وواشنطن
مستقبل الإنترنت يؤجج الخلاف بين موسكو وواشنطن

كتب عماد الشدياق في الجزيرة.نت:

في كل مرة نجري مكالمة هاتفية بهاتفنا الذكي، أو نتصفّح مواقع التواصل الاجتماعي، أو نستخدم شبكة الـ"Wi-Fi" في المنزل؛ نكون من حيث لا ندري ولا نعلم نعتمد على العمل المُنجز ضمن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU).

هذا الاتحاد الذي يعود إلى الأمم المتحدة هو من بين أهم الوكالات التي لم يسمع بها البعض قطّ، لكنّ تأثيرها على حياتنا اليومية كبير جدًّا، لأنّه مسؤول عن تنسيق ترددات الراديو العالمية، والمجالات المدارية عبر الأقمار الصناعية، وتطوير معايير الاتصالات الدولية.

اتهامات متبادلة
الاتحاد على موعد مع انتخابات محمومة بين معسكرين، لاختيار أمين عام في شهر سبتمبر/أيلول المقبل، حيث يتسابق على هذا المقعد مرشحان هما: الروسي رشيد إسماعيلوف نائب الذي تدعمه بلاده إلى جانب الصين ودول عديدة أخرى في العالم، والأميركية دورين بوغدان مارتن التي تدعمها بلادها إلى جانب الدول الغربية وعلى رأسها دول الاتحاد الأوروبي.

ومن أجل دعم مرشحتها في مواجهة روسيا، تسوّق الولايات المتحدة لجملة من القرائن، فتقول إن وصول المرشح الروسي إلى هذا المنصب ربما يسهم في إبطاء ربط العالم بشبكة الإنترنت العالمية، أو يمكن أن تستخدمه موسكو وحلفاؤها أداة في فرض سيطرة الحكومات، مقلّلة من حظوظ وصوله في ظلّ استمرار الحرب على أوكرانيا، لكن في الوقت نفسه لا تنكر واشنطن حدّة المنافسة، رغم اصطفاف الغرب في مواجهة روسيا، وخصوصًا أنّ كثيرا من الدول النامية والأقل تقدمًا تدعم أكثر من أي وقت مضى وضع الإنترنت تحت الرقابة، بعد أن أصبح مصدرًا لانتشار الجريمة المنظمة والإرهاب وتبييض الأموال والاتجار بالممنوعات وأعمال التجسس.

واشنطن ترى أن فوز المرشح الروسي بالسباق ستكون له تداعيات على "دمقرطة" الإنترنت في المستقبل، ومن هذا الباب تمارس الضغوط على الدول في أروقة الأمم المتحدة، وتدعوها إلى تبنّي قرار واضح حيال هذا الترشيح، كما تفاخر بأن مرشحتها (بوغدان مارتن) التي تدير مكتب تنمية الاتصالات في الاتحاد اليوم أثبتت نفسها قائدة قادرة وفعالة في تحسين مجال الاتصالات، وفي مواجهة من تعدّه مرشحًا "غير معروف" و"غارقا في التقاليد الروسية".

أمّا الردّ على هذه التهم والحجج فيأتي من جانب موسكو وحلفائها، إذ تتهم نظيرتها واشنطن بـ"شنّ هجمات إلكترونية حول العالم" من أجل ضمان "هيمنتها الجيوسياسية" على كل الدول ذات السيادة، وحتى لو كانت هذه الدول أقرب الحلفاء إليها، فموسكو ترى أن فوز مرشحة البيت الأبيض "سيزيد من القدرات الفنية لواشنطن على اختراق سيادة دول العالم"، خصوصًا أن الهجمات الإلكترونية والتجسّس في بلدان شرق العالم، التي لا تتطابق آراؤها مع وجهة النظر الأميركية، مصدرها في أغلب الأحيان واشنطن نفسها.

ولهذا، فإن روسيا والدول التي تصطف خلفها تدعو إلى حماية البيانات الشخصية لسكان الكوكب، لأنّها السمة الغالبة عند الجميع، إن كان لدى الدول التي تدعو إلى "سيادة الإنترنت" (روسيا والصين) أو تلك التي تريد تحريرها بالكامل (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي).

ومن أجل إثبات وجهة نظرها، تستشهد موسكو بالخلاف القائم منذ مدة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حليف واشنطن نفسه، وذلك في مجال البيانات الشخصية لمواطني الاتحاد الأوروبي، فقد ألغت محكمة العدل الأوروبية عام 2020 اتفاقًا بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن تدفق البيانات، يسمى "درع الخصوصية" (Privacy Shield)، وذلك نتيجة مخاوف من تتبع ومراقبة واشنطن للمواطنين الأوروبيين. كما أنّ الأمر نفسه له هواجسه في أروقة الاتحاد الأفريقي الذي بدأ يتخوّف، على غرار الاتحاد الأوروبي، من فقدان السيطرة على الفضاء الرقمي بسبب ثقته بالولايات المتحدة في قضايا أمن المعلومات.

ومن هذا الباب، تخشى روسيا والصين ومن يدعمهما من أيّ دور قد تلعبه واشنطن في تطوير الالتزامات الدولية في الاتحاد، من أجل "خلق ظروف مواتية تمكّنها من انتهاك سيادة الدول والإفلات من العقاب"، ولهذا برز في السنوات الأخيرة نقاش بخصوص مدى سيطرة الاتحاد الدولي للاتصالات والحكومات على معايير وبروتوكولات الإنترنت، فقادت روسيا والصين حملة "سيادة الإنترنت" من أجل تمكين الحكومات من مراقبة استخدام الإنترنت، لكنّ واشنطن رفضت هذه الدعوات وعدّتها تنافي مبادئ الحرية التي تتغنّى بها، متناسية كيف فرضت هي نفسها على أكبر مواقع التواصل الاجتماعي حظر روسيا عن تلك المواقع مع بداية الحرب في أوكرانيا، ضاربة بعرض الحائط مبادئ الحرية و"ديمقراطية الإنترنت" التي تطالب بها!

الشركات الأميركية تلتزم بسياسات بلادها
هذا الحظر التزمت به أكبر منصات التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" وتويتر" و"تيك توك" وغيرها. هذه الشركات تقول إنّها عالمية، لكنها أثبتت بالفعل أنّها ليست سوى شركات أميركية، فكشفت بذلك زيف ادعاءات الحرية وديمقراطية الإنترنت والمعلومات، مثبتة في الوقت نفسه إلى حدّ بعيد ما تطالب به روسيا وغيرها من الدول في هذا المجال، خصوصًا مع تطور مجال الإنترنت والاتصالات تطورا كبيرا على يد شركات وأفراد باتوا لاعبين دوليين في هذا المجال ويميلون إلى وجود شبكة إنترنت مجانية ومفتوحة حول العالم، مثل الملياردير إيلون ماسك الذي بدأ نشر أقمار صناعية بواسطة الصواريخ، لتغطي مدار الكوكب برمّته وتهدّد بحرمان الدول من سيادتها في مجال الاتصالات لمصلحة الولايات المتحدة، ما دامت شركاته تخضع للقوانين والمعايير الأميركية.

عودة معسكري "شرق/غرب"
إذن، الصراع المحموم على هذا المنصب دفع بالولايات المتحدة إلى الترويج لمرشحتها، وقد تبنّت دول الاتحاد الأوروبي ترشيحها فعلًا، وعبّر عن ذلك الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية جوزيف بوريل فونتيليس في تغريدة على تويتر. وكذلك تقوم اليوم مساعدة وزير الخارجية الأميركية لشؤون المنظمات الدولية ميشيل جيه سيسون بجولة تشمل الهند وبنغلاديش والكويت، لإجراء مشاورات في مواضيع عدة، بينها تعميق التعاون مع واشنطن في الأمم المتحدة، ودعم دورين بوغدان مارتن لهذا المنصب.

هذا الصراع المحموم ينذر جدّيًا ببداية بروز معسكرين: الأول شرقي بقيادة الصين وروسيا، والثاني غربي بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقد بدت ملامحه تظهر بوضوح منذ اندلاع الصراع في أوكرانيا، ووصولًا إلى الأزمة في تايوان اليوم.

أمّا الاتحاد الأوروبي فيرسب عند كل امتحان سيادي؛ إذ يتحدثّ بلغة لكنّه عن الأفعال يتصرف بأسلوب مختلف عمّا يحكيه، أسلوب لا يخلو من الانحياز الأعمى لواشنطن وسياساتها على حساب مصالحه ومصالح أمن مواطنيه، وقد تجلى ذلك في الحرب الأوكرانية التي تدفع ثمنها اليوم دول الاتحاد، ويبدو أنه سيتجلى أيضًا في انتخابات الاتحاد الدولي للاتصالات.

ويبقى الطريف في كل هذا الجدل هو الخبر الذي أوردته وسائل الإعلام الأميركية قبل أيام عن المكافأة التي رصدتها إدارة الرئيس جو بايدن التي تبلغ 10 ملايين دولار، لمن يدلي بمعلومات عن تدخل روسيا المزعوم في الانتخابات الرئاسية الأميركية.. هذا الخبر يظهر صراحةً حجم التناقض والتضارب في واشنطن؛ فمن جهة تطالب بـ"حرية الإنترنت"، ومن جهة أخرى ترصد المكافآت من أجل كشف "المؤامرات"!

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى ما سرّ اهتمام جونسون بكييف إلى هذا الحدّ؟